سيديروبولوس.. شرطي يوناني لا يخسر معه القادسية

مفاجآت لا تفوت

في جزيرة رودس اليونانية لم يكن الطفل أناستاسيوس سيديروبولوس، المولود في أغسطس 1979، يرى في الكرة سوى حلم الركض خلفها وتسجيل الأهداف، إذ نشأ وفي مخيلته صورة النجم الذي يحمل آمال اليونان فوق كاهله، لكن الأقدار خبأت له مسارًا مختلفًا تمامًا، حين داهمته إصابة قوية في ربيع مراهقته، قصمت ظهر طموحاته لاعبًا، وأجبرته على هجر المستطيل الأخضر مرغمًا، ليتفرغ لدراسته بقلبٍ يملؤه الشغف المبتور.
وجد الشاب ضالته في أكاديمية الشرطة التي تخرج منها حاملًا صفات الضبط والربط، ومقررًا في الوقت ذاته أن يعود إلى الملاعب، ولكن هذه المرة من بوابة العدالة وسلطة القانون.
الشرطي الذي اعتاد ملاحقة الخارجين عن النظام في شوارع اليونان، بدأ رحلة إعادة إحياء حلمه بزيٍ مغاير وصافرة لا تعرف المحاباة، مديرًا مواجهات الدوري المحلي والكأس مع مطلع الألفية الجديدة، ليتدرج في سلم النخبة حتى نال الشارة الدولية عام 2011، ويقتحم قائمة «حكام النخبة» في القارة العجوز صيف عام 2015.
سيديروبولوس يرى أنَّ التحكيم ليس مجرد وظيفة يؤديها بمقابل، بل هو أسلوب حياة يتطلب حضورًا ذهنيًّا يمنع اهتزاز الثقة في ثوانٍ معدودة، مستندًا في مسيرته إلى إرث معلمه الأول «كيروس فاساراس» الذي علَّمه أنَّ الحكم الناجح هو من يقرأ عيون اللاعبين ويستشعر اللعبة قبل وقوع المخالفة، لا من يكتفي بتطبيق القانون حرفيًّا كآلة صماء.
وعلى الرغم من صرامة وجهه التي تظهر تحت أضواء «أليانز أرينا» أو «سانتياجو برنابيو»، إلا أنَّ سيديروبولوس، الذي يبلغ من العمر حاليًّا 46 عامًا، يظل متمسكًا بهدوئه في مدينته، يمارس رياضته الصباحية بعيدًا عن الصخب، مؤمنًا بأن تقنية الفيديو على الرغم من إنصافها للعدالة، لا يمكن أن تعوّض حدس الحكم وتمركزه السليم، وهو الذي صقلته الضغوط الجماهيرية في الملاعب اليونانية الشرسة، حتى بنى جدارًا عازلًا حول مشاعره، يمنعه من رؤية ألوان القمصان أو أسماء النجوم حين يضع الصافرة في فمه، باحثًا فقط عن إيصال المباراة إلى بر الأمان.
في الملاعب السعودية، يبدو اليوناني وجهًا مألوفًا للغاية، فهو من أكثر الحكام الأجانب حضورًا في دوري روشن، حيث دوَّن ظهوره الأول في موسم 2018ـ2019 بمواجهة الفتح والوحدة التي صمتت فيها الشباك، لتتوالى بعدها المهام التي بلغت 32 مباراة في الدوري السعودي، كان آخرها التعادل السلبي بين القادسية والأخدود في الموسم الجاري.
اليوم يعود لملعب الأمير محمد بن فهد في الدمام، ليدير صدام القادسية والتعاون ضمن الجولة الـ 24، في مواجهة تحمل مفارقات رقمية لافتة، فالقادسية لم يتجرع مرارة الخسارة تحت صافرته في 5 مباريات سابقة، بينما لم يعرف التعاون طعم التعادل في 6 مواجهات قادها اليوناني، محققًا الفوز في أربع منها، ليسجل سيديروبولوس فصلًا جديدًا في روايته الطويلة مع الكرة السعودية، متسلحًا بصمت الواثقين وخبرة السنين.
وعلى امتداد مسيرته، أدار اليوناني 438 مباراة، بينها اثنتان ضمن كأس العالم 2022، وأشهر 2204 بطاقات صفراء، وطرد 82 لاعبًا بعد إنذارين و52 مباشرةً، واحتسب 143 ركلة جزاء.


https://arriyadiyah.com//media/thumb/41/4c/1920_778a3fe3d7.png

إرسال تعليق

أحدث أقدم